أحمد بن محمد المقري التلمساني
21
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ومن متخلّق « 1 » متجرّد « 2 » تصوّف ، ومتعلّق متفرّد تشوّق إلى ما فيه رضا الربّ وتشوّف « 3 » ، وناه ذكّر بأيام اللّه ، ووعظ وخوّف ، ولاه اغترّ بالباطل ، فهو بالحق مماطل ، وطالما أخره وسوّف ، وأبعد الانتجاع ، ثم أوى من باطنه إلى بيت قعيدته لكاع « 4 » نفس أمّارة بعدما طوّف ، ومن مادح نظم الآلاء نظم اللآل ، وكادح طمس لألاء العز بظلمة ذلّ السؤال ، فجعل القصائد مصايد ، والرسائل وسائل ، والمقطعات مرقعات ، فآل أمره إلى ما آل ، ومن مخبر بما سمع ورأى ، حين اغترب عن مكانه ونأى ، أو أقام في أوطانه فبلغ ما قدّر ووأي « 5 » ومن مجازف لا يفرق بين الغثّ والسمين والإمرار والإحلاء ، وعارف ثقة أمين نظم درّ الصدف الثمين في أسلاك الكتابة والإملاء ، وعاشق خنساء فكره ذات الصّدار من الشجون والشعار تبكي على صخر قلب المحبوب ، وتذكره كلما طلعت شمس « 6 » أو كان للصّبا هبوب ، فتأتي بما يطفي وقود الجوى المشبوب من بحار الأشعار ، وليلى شوقه العفيفة عن العار ترفل في ثوب من التصبّر معار ، وقيس توقه من ثوب السلوّ عار « 7 » ، قد تولّه واشتاق خصوصا عند انتشاق البشام والعرار « 8 » وقلق لما أرق فلم يقرّ به قرار ، فاعتراه ما براه وألف البكاء بحكم الاضطرار ، ولبس ثياب النحول والاصفرار ، وأسر لما هزمت جيوش صبره وأزمعت الفرار ، فتحير مما شجاه وسأل النجاة من أسر الفراق . [ مجزوء الكامل ] سبحان من قسم الحظو * ظ فلا عتاب ولا ملامه أعمى وأعشى ثمّ ذو * بصر وزرقاء اليمامة « 9 » ومسدّد أو جائر * أو حائر يشكو ظلامه « 10 »
--> ( 1 ) المتخلق : اللابس الثياب الخلقة البالية ، أو ذو الخلق . ( 2 ) المتجرد : العريان ، أو الذي جرّد نفسه للعبادة . ( 3 ) تشوف إلى الشيء : تطلع إلى الشيء ، طمح إليه . ( 4 ) أخذ هذا من بيت الحطيئة : أطوّف ما أطوّف ثم آوي * إلى بيت قعيدته لكاع ( 5 ) وأي : ضمن بعزم . ( 6 ) يشير إلى الخنساء ورثائها لأخيها صخر ؛ ولبسها صدارا جزعا عليه ، فلم تنزعه حتى ماتت . وكانت تقول : يذكرني طلوع الشمس صخرا * وأذكره لكلّ طلوع شمس ( 7 ) فيه إشارات إلى قيس وليلى . ( 8 ) الانتشاق : الشمّ : والبشام والعرار : نبتان طيبا الرائحة من نبات نجد . ( 9 ) زرقاء اليمامة : كانت مضرب المثل في حدّة البصر . ( 10 ) المسدد : الذي أعطي السداد . والجائر : الحائد عن القصد .